Monday, June 29, 2009

نص روايتي الجديدة



-1-

صوت تغريد طيور ...
الصوت يتعالي بالتدريج ليتحول تدريجيا من شيء رقيق الي شيء مزعج ...
إنه ذلك المنبه الأحمق يحاول أن يوقظني، في البداية بالذوق ثم يتحول الي القوة تدريجيا...
صمتا يا أحمق، انا مستيقظ ولكني لا أستطيع أن أقوم من الفراش لأوقفك. أحتاج بعض الوقت لأستجمع قواي للذهاب الي اخر الغرفة و أوقفك. المرء يكتسب قواه العقلية كاملة بعد النوم في وقت يتراوح من 15 الي 20 دقيقة. إنه لم يدرس علم وظائف الأعضاء علي ما يبدو.

قمت من النوم متثاقلا الي نهاية الغرفة و قمت بإيقاف المنبه الموضوع علي الأرض في ركن الغرفة. إنها فكرتي أن أضعه في هذا المكان الغريب،لأني أوقفه و أنام دون أن أشعر حين يكون علي الكومود بجوار رأسي. أردت أن أجعل إيقاف المنبه شيئا يستلزم ترك الفراش كي أجبر نفسي علي الإستقاظ في موعدي. نظرت في شاشة المنبه. الساعة الان الثامنة صباحا. اليوم هو الأول من مارس عام 2152. لا فارق، كل الأيام تتساوي لدي.

ولكن لماذا أستيقظ الان؟ يا لي من أحمق.اليوم أجازة ولا توجد اليوم أي العاب أو إلتزامات من أي نوع، و التدريبات موعدها في السادسة مساء. اليس من حقي أن أكسر روتين الإستيقاظ اليومي في يوم مثل هذا؟
حسنا لقد إستيقظت و لا فائدة من تقريع النفس الان.

دخلت الحمام الملحق بالغرفة للقيام بطقوس الصباح المعتادة. نظرت الي وجهي قي المرآة الأنيقة المعلقة فوق الحوض. مازال وجهي كما هو، نفس الملامح القسيمة و النظرة المسيطرة المتحدية كما هي.

أشعر بالجوع. يجب أن أعد لنفسي شيئا علي سبيل الإفطار. هبطت الي الطابق الأرضي و دلفت الي المطبخ لإعداد إفطارمرتجل.سأكتفي بكوب من اللبن و بعض الشطائر. وضعت الكوب و الشطائر علي صينية و أخذتها الي الردهة.

وضعت الطعام علي المنضدة الصغيرة و أزحت الستارة عن النافذة التي تحتل جدارا بأكمله و تطل علي حديقة الفيلا. اليوم مشرق و جميل، المنظر من هنا رائع و لكن...
هناك شيء ما خطأ. اليوم مشرق و الحياة جميلة و كل شيء علي ما يرام، و لكني لا أجد في نفسي إستمتاعا بأي شيء أو الرغبة في عمل أي شيء. يبدو أن الغدة المسئولة عن الإستمتاع بالحياة التي تكلم عنها أحمد خالد توفيق – علي الرغم من أني لم أجدها في كتب علم وظائف الأعضاء- لا تعمل كما ينبغي اليوم. للدقة الوقتية هي لا تعمل اليوم ولا الأيام السابقة. إنه الإكتئاب بحذافيره. الإكتئاب كما ينبغي أن يكون...

نظرت الي الطعام علي الصينية. علي الرغم من شعوري بالجوع فإني لا أجد شهية لأن أضع قطعة واحدة من الطعام في فمي. أشعر أن التهام شطيرة واحدة من هذه الشطائر عمل بطولي تتضائل أمامه بطولات هرقل و أخيل و كل بلهاء الأساطير الإغريقية مجتمعين.

لماذا لا أزور أكرم يوسف؟ أشعر برغبة عارمة في رؤيته والإستماع الي حديثه. أعلم أنه لا يطيق رؤية وجهي ولكنه لن يقدم علي طردي. أعتقد أنه لايزال يحمل لي بعضاً من الود القديم.

صعدت الي غرفتي و بدلت ثيابي. القميص الخفيف، البنطال الجينز و الحذاء الرياضي الأبيض الأنيق.أشعر أني نيست شيئا. ما هو يا تري؟ اه، إنه المسدس. وضعت المسدس الصغير بعد أن تأكدت من أنه محشو بالطلقات في الجراب المعلق علي وسطي. لا يمكن لشخص مثلي أن يخرج من منزله دون سلاح.

خرجت من الفيلا و توجهت الي المرآب الصغير الملحق بها. لم أحاول أن أختار واحدة من السيارات الثلاث كما هي عادتي كلما خرجت، و إنما توجهت الي أقربهم الي باب المراب. لا مزاج لدي اليوم للإنتقاء و الإختيار. كل السيارات تستوي، فلو وجدت في المراب حمارا قرب الباب لركبته و خرجت.

ركبت السيارة و خرجت من الجراج ثم من الفيلا. ضغطت علي زر في السيارة لينغلق باب الجراج خلفي و قدت السيارة في الشوارع المحيطة بمنزلي متوجها بها الي الطريق الذي يقود الي الجانب الشرقي من المدينة، او ما يدعوه البعض الجانب المظلم من المدينة.

وصلت الي الجانب الشرقي من المدينة في نصف ساعة. أسير في الطرقات الضيقة غير الممهدة بسرعة بسيطة و أتأمل ما حولي. كتابات بالإسبراي أغلبها بذيء تسب الحكومة أو تشجع بعض الفرق الرياضية، منازل من طابق واحد أو طابقين تفوح بالفقر و القذارة.
بعض الأطفال يرتدون ثياباً ممزقة و يلعبون الكرة و يتبادلون السباب فيما بينهم. عجوز تجلس علي عتبة دارها في ثياب رثة تلتهم شيئا من طبق صدئ، بينما تنتشر أكوام القمامة في كل مكان.
إنحرفت يمينا حيث الشارع الذي يسكن به أكرم. صفيحة قمامة كبيرة مقلوبة علي جانبها في وسط الشارع و قد سقطت منها القمامة. لقد ضيقت من عرض الشارع الضيق أصلا.

ركنت سيارتي- السيارة عرضها أقل بقليل من عرض الشارع أصلا- أسفل منزل أكرم. في الواقع إن وصف هذا الشيء بالمنزل يحتوي بعض المبالغة. هو عبارة عن مبني متهالك من طابقين، كل طابق تحتله شقة واحدة أصغر من الحمام الملحق بغرفتي.

صعدت السلم الضيق الي شقة أكرم. وقفت أمام شقته مترددا للحظة. لا أحب هذا الشعور بأني شخص غير مرغوب فيه. فكرت في أن أعود أدراجي من حيث أتيت، ثم طردت هذه الفكرة و إستجمعت مشاعري و طرقت الباب.
لحظات قليلة ثم إنفتح الباب و ظهر علي عتبته أكرم. تجهم عندما رآني و إرتسمت علي وجهه اشد علامات الضيق، فلو كان الشيطان ذاته هو من يطرق بابه لما كان أشد ضيقا و تجهما.
نظرت في عينيه للحظة محاولا تلمس أدني قدر من الود أو بقيايا مشاعر الصداقة القديمة لكني لم أجد منها شيئا، و كأني أحاول صيد البطريق في الصحراء.
حاولت رسم أفضل إبتسامة لدي و سألته متلطفا:

-"هل ستدعني علي الباب هكذا؟"
-"تفضل بالدخول".

يتبع...

No comments:

Post a Comment